تتصاعد الضغوط على سلاسل الإمداد والتجارة البينية في منطقة الخليج العربي، عقب إعلان كبرى شركات الشحن البحرية العالمية عن فرض رسوم إضافية طارئة على الشحنات المتجهة إلى موانئ المنطقة. وتأتي هذه التحركات كاستجابة مباشرة للارتفاع الحاد في المخاطر التشغيلية والتأمينية الناجمة عن استمرار التوترات الجيوسياسية والأمنية في الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء حيوي من إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
وأكد مسؤولون وخبراء في قطاع اللوجستيات وسلاسل التوريد أن الخطوط الملاحية الدولية—وفي صدارتها شركات عالمية مثل “سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM) و”هاباج للويد” (Hapag-Lloyd) و”مايرسك” (Maersk)—بدأت بالفعل في تفعيل بند “رسوم مخاطر الحرب” (War Risk Surcharges) وفرض علاوات طوارئ على الحاويات الموجهة إلى الموانئ الواقعة داخل الخليج العربي، بقيم تراوحت في المتوسط بين 1,500 و3,500 دولار أمريكي لكل حاوية نمطية، طبقاً لطبيعة الشحنة وخط الملاحة.
ارتفاع قياسي في التأمين واحتساب المخاطر
تأتي هذه الزيادات متزامنة مع تحولات جذرية في سوق التأمين البحري العالمي؛ حيث ألغت معظم شركات ومجموعات التأمين الدولية التغطيات السنوية التقليدية ضد أخطار الحرب للسفن العابرة للمنطقة، واستبدلتها بنظام التغطية لكل رحلة على حدة (Voyage-by-Voyage Cover).
هذا التغيير أدى إلى قفزات قياسية في أقساط التأمين على أبدان السفن (Hull & Machinery) والحمولات المنقولة. كما أضافت شركات الشحن تكاليف تشغيلية غير مباشرة ناتجة عن اضطرار بعض الناقلات للانتظار في مناطق آمنة خارج المضيق، أو الإبحار بسرعات أعلى لتقليل فترة التعرض للمخاطر، وهو ما يرفع معدلات استهلاك الوقود بصورة ملموسة ويضاعف الكلفة الإجمالية للرحلة.
انعكاسات متسلسلة على القطاع الخاص والأسعار
ويرى محللون اقتصاديون أن هذه التطورات لن تقف عند حدود ميزانيات شركات الشحن، بل ستسري سريعاً عبر كافة مراحل السلسلة التجارية والتصنيعية في السعودية ودول المنطقة:
-
ضغوط على أسعار المواد الخام والسلع: ستتحمل القطاعات الصناعية والتجارية تكاليف إضافية عند استيراد المواد الأولية والمدخلات الإنتاجية، مما يقلص من الهوامش الربحية للشركات، أو يضطرها لنقل هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي في شكل ارتفاع بأسعار السلع الاستهلاكية.
-
إعادة تشكيل الشروط التعاقدية (Incoterms): دفعت التطورات الأخيرة الشركاء تجارياً إلى إعادة فتح العقود وتعديل مصطلحات التجارة الدولية المعتمدة، لا سيما المفاضلة بين عقود البيع بشرط التسليم على متن السفينة (FOB) وعقود التسليم مع دفع النولون والتأمين (CIF)، للحسم في هوية الطرف المتحمل لرسوم الطوارئ الفجائية.
-
ارتباك الجداول الزمنية وزيادة التخزين: أدت إجراءات السلامة وتغيير الممارسات التشغيلية إلى تباطؤ مواعيد وصول الشحنات، مما دفع الشركات إلى زيادة حجم “المخزون الاحتياطي” لمواجهة أي انقطاع محتمل، وهو ما يفرض أعباء تمويلية وتخزينية إضافية على رأس المال العامل.
الموانئ البديلة والنقل البري.. خيارات التكيف الاستراتيجي
في مواجهة هذه الضغوط المتزايدة، بدأت المؤسسات اللوجستية والشركات المستوردة في المنطقة تفعيل مخططات طوارئ مرنة لتفادي المرور عبر مضيق هرمز أو تقليل الاعتماد عليه إلى الحدود الأدنى.
وترتكز هذه المخططات بشكل رئيسي على استغلال الموقع الاستراتيجي للموانئ الواقعة على ساحل البحر الأحمر، ولا سيما ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبد الله؛ بالرغم من توقعات المخاطر في باب المندب حيث تعمل الشركات على تفريغ الحمولات القادمة من أوروبا وأفريقيا والأمريكتين في هذه الموانئ الغربية، ومن ثم نقل البضائع عبر شبكات الشحن البري المترابطة والطرق السريعة إلى الرياض والمنطقة الشرقية، وصولاً إلى باقي دول مجلس التعاون الخليجي.
ويرى خبراء قطاع النقل أن الاعتماد على الحلول الهجينة (البحرية-البرية) يسهم في حماية الشحنات من الرسوم التأمينية المرتفعة لمضيق هرمز، ويضمن استدامة تدفق السلع والمنتجات الأساسية للأسواق دون توقف، رغم ما يتطلبه ذلك من إعادة تنظيم لعمليات الأسطول البري ورفع كفاءة المنافذ الحدودية لمواكبة أحجام التدفقات الجديدة.
